الأربعاء, 28 محرّم 1439 هجريا, الموافق 18 أكتوبر 2017 ميلاديا

أنتقدني بأدب أُعطيك الطلب

أنتقدني بأدب أُعطيك الطلب
عبدالرحمن صقر

النقد مطلب لإصلاح الاخطاء ولكن وفق ضوابط وشروط وآداب ، الجميع يخطئون ولا يوجد شخص على وجه الارض معصوم من الخطيء.

إذا اتفقنا على أن الجميع يُخطئ أنحل نصف المشكلة ، لذا يجب علينا ان نفهم بعضنا ونقوم أعمالنا بطريقة تجعل المخطئ يعتذر ويعترف بخطئة ويعمل على تصحيحة رغبة منه ليس قوة منا ولا بحِدة أصواتنا.

والطريق الجيد في تبليغ الطرف الآخر بنقدنا لتصرفه واستنكارنا له يكون بالأسلوب الهادئ الطيب، وبعدم وجود أحد غير المنقود، فإن النقد بحضور الآخرين أقرب للفضيحة والشماتة!

فإذا أراد الإنسان انتقاد ولده أو زوجته في تصرفات معينة.. وهذا وارد دائماً.. فيحسن به أن يختار التوقيت المناسب الذي لا يكون هو فيه غضبان أو متوتراً، ولا الطرف الآخر أيضاً..

وليخلو به ويحدثه بمودة وبأسلوب طيب، وبالحكمة، فإنه لا يوجد ذنب أكبر من الكفر وقد قال الله عز وجل: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}.

كل موضوع يستطيع الإنسان أن يناقش فيه، ويثيره، بعدة أساليب، الموضوع واحد ولكن أسلوب التطرق إليه يختلف اختلافاً كبيراً في التأثير..

فقد يكون تأثير الانتقاد على الولد – وغير الولد – عكسيا، يدفعه إلى كراهية الناقد والإصرار على ما يفعل، حين يكون الأسلوب جارحاً عقيماً..

ولكن الأسلوب الطيب، الواضح في بيان ضرر الخطأ، مع إحساس المنقود بحب الناقد له وغيرته عليه، يجعله فعلاً يستحي من نفسه ويحرص على السلامة من ذلك العيب، وعدم تكرار ذلك التصرف المكروه..

وتعابير الوجه ونبرة الصوت كل ذلك له أهمية بالغة..

فإن الناس حساسون جداً إذا وجّه لهم الانتقاد.. ولو كانوا مخطئين.. وتتوقف ردود أفعالهم على أسلوب المنتقد ونبرة صوته وتعبيرات وجهه..

غير أن (حُب الانتقاد) التي نتحدث عنها أعلاه لا علاقة لها في الغالب بالإصلاح.. بل هو مريض يحب تنقيص الآخرين، ويحس فاعلها حين ينقِّصهم أنه يعلو وما درى أنه يزداد سفلا، ويضيف إلى عيوبه الكثيرة عيوباً جديدة..

حتى بعض الآباء لديه ما يمكن تسميته بحب الانتقاد.. فهو دائم الانتقاد لأولاده في الصغيرة والكبيرة، وأحياناً ينتقدهم لمجرد أنهم من جيل آخر غير جليه، ويتهمهم بالكسل والعجز والاتكالية مقارنة بحاله في شبابه (والله أعلم بحاله).. ودفع الأولاد إلى الجد والاجتهاد ونبذ الكسل أمر طيب وجيد ولكن بعض الآباء يشتهي النقد لذات النقد ويرتاح ذاتيا حين “يحطّم” أولاده بلسانه، وقد يكون من مقاصده الخفية بيان فضله عليهم وأنهم لاشيء بدونه وليس هذا بالمقصد الحسن على أي حال!.

ليكن الانتقاد في حدود ما هو ضروري فقط، وبأسلوب لبق محب،ويحسن به أن يفكر في حسنات هؤلاء قبل سيئاتهم، فإن الحسنات يذهبن السيئات حتى في الخاطر والتفكير..

وليفكر أيضاً هو بعيوبه متجرداً عالماً أنه مهما تجرد في تذكر عيوبه فلن يتذكر منها إلا القليل، لأن الإنسان – كل إنسان – يحب نفسه، وقلما يرى الإنسان عيوب من يحب.. ثم ليعلم يقينا أن الناس بشر يخطئون ويصيبون: “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” فلا يتسقط الأخطاء، فإن أسوأ شيء في الدنيا هو تسقط الأخطاء ورؤية العيوب والعمى عن المحاسن، في هذا ظلم سيىء وتحامل، وهو مما يهدم العلاقات الاجتماعية وينشر الضغائن والأحقاد..

وهناك انتقاد الآخرين بناء على الظنون وليس اليقين.. وبعض أنصاف الأذكياء يغرهم ذكاؤهم فيعتمدون عليه في جمع قرائن تدل على خطأ الطرف الآخر في حقهم، مع أنه لم يخطئ وإنما هي ظنون وأوهام تعتادهم، هنا يكون انتقاد الآخرين بناء على تلك الظنون التي قلبها صاحبها إلى حقائق، حماقة بالغة تدل – أول ما تدل – على سوء ظنه هو، وسوء تفكيره واعتقاده هو، بل كثيراً ما تدل على سوء فعله فصار يقيس الآخرين بنفسه.

إن الإنسان الذي صمم على إبعاد نفسه ومن حوله بإذن الله، والراحة في حياته الاجتماعية، يجعل نفسه مسدودة عن الانتقاد بشكل عام، فإن شهوة الانتقاد مصيبة تبلع سعادة صاحبها وتفسد علاقاته..

لابُدَّ في هذه الحياة من الترفع عن الصغائر وتوافه الأمور.. ولابُدَّ من التغاضي عن كثير من نواحي النقص والقصور، والتغابي عن عديد من الأشياء التي يلحظها الإنسان وقد لا تسره كثيراً ولكن في التقاطها وإثارتها ما يسوءه أكثر في الواقع.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>